السيد محمد بيرم الخامس التونسي

69

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

وحيث كان من العجائب بمكان رأينا أن نثبت هنا ما ذكره أحد مراسلي الصحف العربية في شأن ذلك الموكب ونصه : « بينما الناس في فترة وإذا بالإنكليز اخترعوا طريقة أنتجت جملة فوائد لهم ولرعيتهم وهاك بيانها تفصيلا وهي : تلقيب ملكة الإنكليز بإمبراطورة الهند فلهذا أجمعت جمعية عمومية من ملوك الهند ومن أمرائها في بلدة دهلي التي كانت قبلا تخت ملك ملوك الهند ، فبعد أن حضر جميع هؤلاء الملوك والأمراء وأهل الثروة العظمى ونصبوا خيامهم الفاخرة خارج البلدة ، كرت الناس من كل فج عميق إلى دهلي ما بين متفرج وتابع وما بين تاجر وصانع وعامل ، إلى أن غصت المدينة بالناس وصار المحل الذي أجرته عادة في الشهر خمس روبيات مائة روبية ، والعجلة التي تكرى عادة بربع روبية بعشرة روبيات ، فكأن السماء أمطرت والأرض أنبتت بني آدم ، فإن شارع دهلي عرضه أربعين مترا وكان المار فيه يخشى على نفسه من شدة الازدحام ، وجل هؤلاء الناس وصل إلى دهلي بواسطة سكة الحديد فإنها متشعبة في جميع أقطار الهند كتشعب عروق الجسد ، وهذا الجمعية الكبرى تسمى بلغة أهل الهند « بالدربار » ، فجميع ما شاهدته في هذا الدربار يعجز لساني عن بيانه وقلمي عن حسابه ، وإنما أشرح لك فصلين : أحدهما : في كيفية دخول حكمدار الهند إلى دهلي ، وكيف استقبلته ملوك الهند وأمراؤها ، وكيف مشوا في صحبته وإنقادوا في موكبه وخلف ركابه . والفصل الثاني : في صورة الجلسة أي هيئة اجتماع الملوك وكيف ألقى عليهم خطاب امبراطورتهم ، وكيف تلقوه بالاحتفال والقبول . أما الفصل الأوّل : فهو أنه في السادس من ذي الحجة سنة ( 1293 ه ) بعد الظهر بساعتين ، اصطفت العساكر الإنكليزية البيض وهم في أحسن الملابس وبغاية النظام في الطول والاستواء من محطة سكة الحديد إلى محل قيام الحكمدار ، وهو مسافة ثمانية أميال وارتصوا من طرفي السوق الكبير من الجانبين ، فبعد الساعة الثانية سمعنا صوت المدافع إيذانا بوصول الحكمدار ، وشرع أول الموكب في المرور وكان أولهم فرقة من خيالة على خيل حمر بغاية الجسامة على لون واحد وسروج بلون واحد ولباس فرسانها بلون واحد وعددهم نحو الخمسمائة ، ثم تلتها فرقة أخرى خيالة نحو الخمسمائة على خيل بيض جسام كنظام ما قبلها ، ثم تبعتها فرقة أخرى خيالة نحو الخمسمائة على خيل شهب في غاية الضخامة كنظام ما قبلها ، ثم أعقبتها سرية أخرى خيالة نحو الخمسمائة على خيل بلق كنظام ما قبلها ، ثم حلبة أخرى على خيل شقر ثم أخرى على خيل صفر ثم وثم وثم إلى أن مر نحو خمسة آلاف خيال جميعهم بغاية الأبهة ، ثم أقبلت الطوبجية ومعهم مائة مدفع خلف بعضها في غاية الضخامة وحسن النظام وحسن الآلات والعدد مع كبر الخيل وحسن هيئتها ، ثم أقبلت سرية الفيلة وأوّلها فيل عجيب الشكل أظنه أعلى فيل في أرض الهند ، وناباه بارزان عن شدقيه نحو ذراعين وعليهما أطواق من الذهب حلية له ، وعليه تخت جسيم